النائب وائل أبو فاعور ومأساة الجنوبيين
الثالثة والعشرون
النائب وائل أبو فاعور ومأساة الجنوبيين
09-04-2006
السيد وائل أبو فاعور، الذي من المفترض أن يتكلم بنفس منطق السيد
وليد جنبلاط، وهو الذي نراه كل يوم يعيد تقييم ما كان تم في ظل تحكم السوريين بالبلد
من فرض مفاهيم- مسلمات، أو قل "منزلات" حرّم مجرد التفكير بها فكيف
بنقاشها أو رفضها، يتحفنا اليوم بمزايدة على حزب الله لم نكن لنعيرها الاهتمام
لولا أنها تمس بالحقيقة التي يبحث عنها الكل في مواضيع الولاء للوطن ومفاهيم
الظالم والمظلوم واستغلال البعض لشعارات المرحلة السابقة أي مرحلة الاحتلال البغيض
للبنان وفرض تصورات حكام دمشق على كل اللبنانيين وتصنيفهم بين وطني يحمل شهادة من
والي الشام وخائن يرفض الاعتراف بهذا الوالي.
السيد أبو فاعور لم نكن لنسأل عن رأيه لو لم يُحسب على الحكم الذي من
المفترض أن يكون قد خرج من رحم ثورة الأرز وتحرك اللبنانيين ضد الاحتلال السوري
ومخلفاته.
السيد أبو فاعور كنا نتأمل أن يزايد على حزب الله وتيار العماد عون
بموضوع الجنوبيين، بأن يسال الحكومة أن تقر عفواً غير مشروط، لا بل تقوم ببادرة
محاسبة الذات والمصالحة مع جزء من المواطنين الذين يعرفهم جيداً، فأبناء حاصبيا لم
يكونوا يوماً عملاء ولا كأنها أبناء مرجعيون أو ميس الجبل أو بيت ليف أو الناقورة
وبقية أبناء المنطقة الحدودية.
كنا نأمل من السيد أبو فاعور أن يسأل الحكم والحكومة لماذا لم يُفاوض
أبناء المنطقة الحدودية على العودة إلى كنف الدولة بدل تهشيلهم وتهديدهم.
كنا نتصور بأنه سوف يسأل لماذا لم يتم تسليم سلاح حزب الله بنفس
الوقت مع سلاح اللبنانيين في الجنوب ونشر الجيش وحده حامياً للأمن بدل تسليم
الجنوب لهذا الحزب وتركه يفرض نفسه على الكل بقوة سلاحه ويمنع الحكومة من السيطرة
على البلد ويستفرد بقرارات الحرب والسلم ويأتمر بأوامر الغرباء من سوريين وفرس،
كما أسماهم السيد جنبلاط.
السيد أبو فاعور ويا للأسف يحاول أن يتزاكى فيستعمل سلاحاً ليس
بسلاحه وفي مكان ليس بالملائم.
يتكلم عن الجنوبيين وكأنه لا يعرفهم ولم يعرف أهلهم ولا ولاءهم للبنان.
وهو يلعب بالنار في مزايدته على حزب الله ويعتقد بأن اتهام أبناء
الماري وحاصبيا وغيرها من أبناء القرى الدرزية في المنطقة، وهم بغالبيتهم من جماعة
المير مجيد، سوف يعفيه من المسؤولية، وهو ينسى بأن الحكم يجب أن يكون لكل اللبنانيين،
ومن يدافع عن هذا الحكم لا يجب أن يميز بين هؤلاء اللبنانيين.
وإذا كان الجنوبيون، الذين حافظوا على المنطقة مدة 25 عاماً، كانت
الحرب فيها تغطي كل لبنان ولم تجري في منطقتهم جريمة قتل ولا تعدى على أملاك
الآخرين ولا حاول الإسرائيليون أن يبنوا فيها مستعمرة واحدة، كما
حدث في الجولان أو الضفة أو غزة أو سيناء، ولم يجرِ فيها أي قتال طائفي
أو مذهبي أو تعرض للكرامات، بينما كانت الأحداث الدامية والقتل على الهوية وتهجير
الناس من قراهم وبيوتهم وقتل المشايخ والكهنة على السواء والتعرض للعزل وخطف
المارة وقبض الخوات تجري على قدم وساق في كل لبنان وخاصة حيث هو، ولكن ذلك لم يحدث
في الجنوب.
وبينما يعتذر السيد جنبلاط عن مسايرته للاحتلال السوري ويعترف الجميع
بأن هذا الاحتلال أضر بلبنان أكثر بكثير من احتلال إسرائيل، وبينما يبقى زعماء
وأحزاب ونواب ووزراء في الحكم يعملون لصالح الاحتلال السوري اليوم، وبالرغم من كل
ما جرى، ولصالح دولة أخرى ليست حتى عربية وهي إيران، يريد السيد أبو فاعور أن
يتاجر بعد بموضوع أبناء الجنوب وكأنه لم يكفهم ذلاً أن يكون حزب الله، الإيراني
الولاء والذي يأتمر بسوريا حتى بعد أن وقف لبنان بأثره ضد الاحتلال البغيض ورفض التلاعب
بأمنه وأصر على الاستقلال والسيادة، هو من يقرر تصنيفهم وطنيين أم عملاء.
يبقى أنه بدل أن يعتذر الحكم في لبنان لأهلنا الجنوبيين ويطلب منهم
تقدير ظروفه ويفرش لهم الأرض بالورود ويستقبلهم بأقواس النصر لأنهم حافظوا على
تراب الوطن ومنعوا التفريط بحبة منه والمتاجرة بأبنائه وأمنهم وحريتهم ومقدساتهم،
وفاوضوا إسرائيل بغياب الدولة في موضوع الأمن على طرفي الحدود فتساووا بمصر أكبر
دول العرب والأردن أقرب الجيران.
ويوم تعهد حزب الله لإسرائيل بالحفاظ على أمن الحدود بدلاً منهم لم
يقاتلوه بل انتظروا أن تنصفهم الدولة وتتحمل مسؤولياتها فلا تترك الأرض والأهل تحت
رحمة العصابات، وهم فهموا أن السوريين يمنعون ذلك، ولكنهم لم يفهموا لماذا بعد أن
خرجت سوريا لم تقم الدولة بما عليها من واجبات تجاه الجنوب وأهله.
السيد أبو فاعور أخطأ بتوجيه التهم الباطلة لأهلنا أبناء الجنوب وأفراد
جيش الجنوب، ونحن لا نقول بأن أبناء الجنوب كلهم قديسون ولكننا نعرف بأن التجاوزات
التي قد تكون حصلت في الجنوب لم تتجاوز الخمسة بالمائة مما حصل في كافة المناطق
اللبنانية، وبينما قامت الدولة بشبه مصالحة بين اللبنانيين في 1990 ساهمت بحل
المليشيات، لم تقم بمصالحة الجنوبيين ولا فاوضتهم على حل جيش الجنوب وتسليم سلاحه،
بالرغم من المراسلات بين الرئيس الهراوي والجنرال لحد حول هذا الموضوع.
يومها، ويوم ذهب الوفد اللبناني ليفاوض إسرائيل في واشنطن مدة سنتين
تقريباً لم يُطرح موضوع جيش الجنوب كعقبة، ويوم انسحبت إسرائيل في سنة 2000 من
الجنوب تنفيذاً لوعود باراك الانتخابية وبالتنسيق مع الأمم المتحدة والحكم اللبناني
وحزب الله أستثني من التفاوض فقط جيش الجنوب.
من هنا لا تزال الكرة في ملعب الحكم يا سيد أبو فاعور.
فإن كنت حريصاً على هذا الحكم الذي تشارك فيه، ونحن كذلك، فيجب عليك
مطالبته بالمبادرة لإصدار عفو عام وإجراء مصالحة مع أبناء الجنوب في إسرائيل
ولبنان وغيرهما من بلاد العالم وأن يحترم شهداء وجرحى ومقاتلي الجنوب ورموزهم،
وتعاد إليهم حقوقهم ويعود لهم دورهم في نهضة الجنوب وقيامة لبنان.
وإلا فإن كل ما يقال عن تمثيل هذا الحكم لأماني اللبنانيين وتطلعاتهم
غير صحيح، وإن ما يبنى على الخطاء سوف لن يؤدي إلى صفاء النفوس والشعور بالانتماء.
نحن نأمل أن يكون التعاطي مع الموضوع من قبيل قلة المعلومات وليس من قبيل
التشبث بالرأي، ونتطلع إلى مستقبل يتعاون فيه الجميع على خير لبنان، ولا يكون فيه
من رواسب لسنوات الحرب وأحداثها الأليمة.
فإذا كنا نتطلع إلى سوريا والفلسطينيين وإسرائيل لحل المشكلات
العالقة وإقامة علاقات طبيعية وطيبة بعد كل تلك الأحداث، فالأجدى بنا أن نتصالح
فيما بيننا ونتناسى الأحقاد التي زرعتها الحرب وتدخل الغرباء وغياب الدولة القوية
والعادلة والقادرة على حماية المواطنين وأرزاقهم وحقوقهم ومستقبل أجيالهم، ولا
نزايد على ضعيف ولا نختبئ خلف أصابعنا لأن الكأس التي يشربها الجنوبيون اليوم قد
تمر على غيرهم غداً.
Comments
Post a Comment